الرئيسية / أخبار المسرح / رسالة عامر حليحل للراحل جوليانو

رسالة عامر حليحل للراحل جوليانو

في صباح سبت شباطي في مقهى اليكا سنة 2006، كنا نشرب القهوة ونتكلم عن أمور ما قبل الحرب، واذ به يدخل علينا ويقطع كل حديث بصوته الكبير وحضوره الأكبر، بوقاحةٍ لم تلق يوماً بأحد غير جوليانو مير خميس.
طبعاً ضحك من ضحك عندما قال” وبعدين معكوا انتوا المثقفين العرب؟ بدكوا تضلكوا قاعدين بالقهاوي تحكوا حكي فاضي وبتعملوش اشي؟”
قلت له ضاحكاً متحدياً: “بنفعش تحكي هاي الجملة وانتي فايت تشرب قهوة معنا وتحكي حكي فاضي زينا”
ضحك حتى شبع وقال: “معك حق..”
ثم استدرك..
وقال بجدية متناهية: “أنا عالقليلة عم بعمل مسرح في مخيم جنين!!! فاهم شو يعني مخيم جنين!!”
كنا في ذلك الوقت نعرف تماما ما معنى مخيم جنين، المخيم الذي استقبل أكبر الاجتياحات وأكثرها تدميراً والذي قدم العديد من الأرواح في تلك الفترة، المخيم المغلق عنّا، ولا يمكن دخوله الا بالتهريب، كانت الضفة الغربية منطقة محظورة فعلياً علينا، وكان الوصول الى جنين أو نابلس أمر لا يحدث بسهولة.
قلت له متحدياً لكن بنفس الوقت خجلاً: “اطلب ما تريد ونحن جاهزون لتلبيته من أجل المسرح”
قال: “أن تأتي الى افتتاح المسرح في شهر ابريل وتعرض مسرحية “دياب””
قلت له: “أكل.. على راسي”
قال: “بتحكي جد؟”
قلت له: “ليش ما احكيش جد؟”
قال: “مجنون انتي! انت عارف انك راح تفوت تهريب وتطلع تهريب؟ واذا مسكوك اكلت خرا؟”
قلت له: “ما انا هيك هيك ماكل خرا! عالقليلة آكل خرا على اشي بستاهل”
كنت يومها لا ولد لي ولا تلد، وكأن لي رغبة في أن “اتحركش” بملل وبلادة الحياة. (ستأتي بعد اشهر حرب تموز وسأبقى في حيفا كل الوقت أنا وبعض الرفقة لأن الحياة “تحركشت” بنا وقلنا لها يا أهلا وسهلا).
تعجب جوليانو وكأن هذا آخر أمر كان يتوقعه في يومه. بدأ اتصالات مع شباب المسرح يصرخ عبر الهاتف بفرح، ان افتتاح المسرح سيكون عن طريق مسرحية.. مسرحية “دياب”!!!!.. عامر حليحل جاي يعرض في الافتتاح..

بالفعل.. هرّبنا جوليانو.. افتتحنا المسرح.. غصت القاعة.. فرحنا جداً.. تأثرنا.. كاد بعضنا ان يُطلَق عليه النار عند طريق العودة.. وكدنا نعتقل جميعاً لدى جيش اسرائيل..
وجوليانو!!! شعر بالانتصار في أهم معاركه في حربه التي انتهت كما انتهت وكما شهدنا عليها جميعاً.
عرضنا بعدها وكنا هناك في معظم ما انتجنا، لكن من يوم اغتيال جوليانو لم أصل المسرح عارضاً.

اليوم أعود لمسرح الحرية حاملاً مسرحية “طه” معي لتعرض في الاحتفالية العاشرة لإنطلاقة مسرح الحرية تزامنا مع ذكرى اغتيال جوليانو..
اعود اليوم احمل حزني الكبير اني لن جده في ساحة المسرح، يرحب ويوزع المهمات ويستقبل الوفود ويعرف الناس ببعضها كما فعل دائماً في ساحة المسرح. ساحته..
أعود فرحاً بان المسرح ما زال هناك، وهو أكثر الناس الذين ارادو لهذا المسرح ان يعيش..
اليك جوليانو اهدي “طه” اليوم.

عامر حليحل
08.04.2016

 

Photos By : Bryan MacCormack

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*