الرئيسية / Slider / “على شفا حفرة” لفرقة رسائل على خشبة مسرح الحرية

“على شفا حفرة” لفرقة رسائل على خشبة مسرح الحرية

_MG_6912

كان خائفا يحاول جاهدا اللجوء إلى السماء بقميص أبيض ملوث، وبنطال أسود ممزق، كلاهما يحمل عبء المكان والزمان لروح وشت فهجرت كينونتها وحملت ما لم تكن تقوى على حمله، كله كان وسط مدينة من النفايات اتخذها ملاذا، كانت مدينة يسكن فيها وحده، وسط معارك تقتل فيه.

كان يمسك كتابا، وصوت رنين هاتف، يقرر ألا يرد عليه، ثم يخرج وبيده مجموعة من الكتب والصحف والتي فجأة يرمها وسط المسرح، ويتوقف رنين الهاتف، فيلتفت بروحه إلى منزله وأسرته ليصرخ “سأتركك ترن ولا أرد عليكم وسأتعبكم مثلما أتعبتموني”، ويصمت وتخرج الروح ويبدأ الصراع القاتل.

كانت هذه هي صورة المشهد الذي رسم على خشبة مسرح الحرية في مخيم جنين، أمس الأحد 13 آب 2017، في العرض المسرحي “على شفا حفرة” لفرقة رسائل للفن المسرحي من نابلس، من إخراج عدنان البوبلي، وأداء الممثلين: نور دولة، ومعتصم أبو الحسن.

نص المسرحية مقتبس عن نص مونودراما “مجرد نفايات” للكاتب العراقي قاسم مطرود، وقام فريق العمل بإعداد النص ليلائم قالب الديودراما، ليتحول العمل من استخدام ممثل واحد إلى ممثلين يلعب أحدهما دور الجسد والآخر يلعب دور الروح في حكاية تستعرض واحدة من أبشع سبل تحطيم الذات البشرية وجعل الإنسان ذي كينونة شيئية بعد تجريده من كينونته الروحية، بعد غسل دماغه وتحويله إلى أداة تنفيذية مطواعة يديرها الأعداء حسب رغباتهم، وأهوائهم، وأهدافهم اللاإنسانية، ألا وهي قضية العمالة وخيانة الوطن، وكما تستعرض مراحل الصراع الداخلي للذات ما بين الجسد والروح.

ظلمة سادت خشبة المسرح تخللها بين الفينة والأخرى ضوء أصفر يجهد من يقع تحته وكأنه على كرسي للاعتراف لتخرج من ذلك الجسد الروح ليلتقيا في حوار يسرد حكاية تخجل لروح خرجت من ذاتها لتصرخ بأن الموت أرحم لها، وتبدأ البحث في السراديب عن الموت الأفضل لروح أنهكت نفسها وانحنت للأمام وفاز من وشى بها وأسقطها أرضا، كانت تصرخ وتستغيث ولا أحد يرحمها سوى الموت الأفضل الذي ما زالت تبحث عنه.

كانت الروح والجسد في ذلك الكاتب الصحفي الذي يكتب في جريدة وينتقد ومن ثم يقع في صراع مع السلطة ليسقط في حفرة العمالة والخيانة ليشي بأقرب الناس إليه، وهذا ما أظهره العمل عندما تحدث عن اغتياله لأخيه بقذائف حارقة وخائنة، فأمام الجمهور اعتلت المعارك بصوت يزلزل المكان، كانت المعركة الأولى أمام الذكريات التي اعتلى صوتها، لزوجة كانت قد تركته مع أطفالها، وقررت البقاء بعيدا دون دموع عن جسد غادرته الحياة، صوتها كان يوبخه كل يوم وهو يطأطئ الرأس.

أما المعركة التي تفرجت بصوت مخيف كانت معركة بين الروح والجسد لشخصية تعاني أزمة نفسية جراء ماض لا تستطيع الخلاص منه، سجنت وتعرضت لأشد أنواع التعذيب من قبل السلطة، التي حاولت مساومته فإما الموت وإما العمل لصالحها وتحقيق رغباتها للخلاص، كان يصف نفسه طوال فترة العرض بأنه خائن وجبان ومنبوذ بفعل اختياره الخاطئ، الذي دفعه مرارا للبحث عن طريق الموت والخلاص قبل أن يأتي عامل النفايات.

وتستمر رحلة الصراع لتشعر الروح بالندم وبانها حشرة لا قيمة لها وأنها مجرد نفايات، لوصول للمعركة الأخيرة والتي تمثلت في الهروب ومحاولة تقرير المصير في سجن انفرادي فيه من يخسر يشرع بالانتحار.

النهاية كانت مفتوحة نوعا ما، فجرس الهاتف ما زال يرن دون أن يجاب، عامل النفايات تخلص من بعض النفايات التي قد تكون هي الماضي الأسود لتلك الشخصية الخائنة وواقعها الأليم، حاول في النهاية حرق كل ما حوله وحاولت روحه حرقه، وكلها رموز تدل على أنه كان يبحث عن الخلاص من الحياة لا من الموت، ليتساوى الموت مع الحياة، لكن المعنى الأبرز عندما صور المخرج هذه الشخصية بأنها جزء من هذه النفايات المتراكمة والتي خرجت رائحتها لتملأ المكان وأصبح من الضروري التخلص منها، لكن عامل النفايات عجز عن التخلص منها فغادر دون أن يزيلها من الوجود، وهذه كانت الصورة التي أوضحت مصير الشخصية بأنها بقيت في هذا العمل وفي دائرة الصراع.

الجمهور قد يقع أمام هذا الصراع بين موقفين موقف الشفقة على هذا الإنسان الذي قد يكون ضحية لنفسه وللظروف وللتهديدات، وبين موقف الإجرام وعدم تقبل هذا الإنسان مجددا في إطار المجتمع، وهنا تكمن صعوبة التعاطي مع مثل هذه القضايا.

مخرج العمل عدنان البوبلي يتحدث لمسرح الحرية عن هذا العمل المسرحي ويقول بأن العمل يحمل رسالة فكرية وثقافية تتمحور حول خطورة العمالة والموقف المتخذ اتجاه هذه القضية كونه موقف متعارض يحمل الشفقة على إنسان وقع في مستنقع الخيانة نتيجة استفزاز له ولظروفه اللعينة والتهديد بالموت والقتل، واعتباره ضحية، وبين تجريمه بجرم الخيانة للوطن، وهل من الممكن مسامحة هذا الفعل وتقبل هذا الشخص من جديد داخل المجتمع، ويضيف البوبلي أن أهمية هذه الرسالة المسرحية تكمن في أنها رسالة للشباب العربي المعرض دائما لانتزاع ثقافته وفكره وهويته الفردية والجمعية والمحاولات غسل الدماغ والأفكار الطائفية أمام ظروف قد تساعد أحيانا في إضعافه وتدميره.
وبدوره شكر مسرح الحرية على استضافته لهذا العمل، وثمن وقدر هذه الاستضافة كون الرسائل المسرحية رسائل مباشرة قريبة من الجمهور وتلامسهم من خلال الممثلين الذين يستخدمون الجسد والصوت والتأثيرات الخارجية كالموسيقى والديكورات.

ومن الجدير بالذكر أن هذا هو العرض الثاني للمسرحية في فلسطين بعد عرضها في نابلس، والتي حازت على جائزة أفضل سينوغرافيا في مهرجان جامعة الدول العربية لمسرح الشباب (وجدة – المغرب)، وستشارك في مهرجان لبنان الدولي للمسرح هذا العام، اضافة لمشاركة قريبة في العاصمة الاردنية – عمان، الى جانب جولة لها ستشمل رام الله، القدس، بيت لحم، الخليل.

وفرقة رسائل للفن المسرحي هي فرقة شبابية من نابلس تأسست في العام 2016، وتتكون من مجموعة من الشباب الموهوب في المسرح، وقد استطاعت الفرقة في وقت قياسي أن تقدم أربعة عروض مسرحية هي: درويش بدو يعيش، وسيدي اذهب إلى الجحيم، وكوابيس، وآخرها على شفا حفرة، وتسعى الفرقة إلى إعادة الاعتبار للفن المسرحي في فلسطين، وبعث ثقافة المسرح من جديد في نفوس الجمهور الفلسطيني، عبر تسليط الضوء على مختلف القضايا التي تمس المجتمع الفلسطيني .

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*