الرئيسية / Slider / مسرحية “الحصار” على خشبة مسرح الحرية

مسرحية “الحصار” على خشبة مسرح الحرية

IMG_9872

في نيسان من العام 2002 التقى هلال وصليب في خندق واحد، تحيطه من كل اتجاه جنود ومتاريس وأسلحة خفيفة وثقيلة، وداخله مدنيون ومسلحون ورهبان يحتمون فقط بالله وبالمكان المقدس في كنيسة المهد في بيت لحم، هذا المكان الذي ما زال مكانا للنور الابدي، يجتمع فيه أبناء الأرض، مع الفارق اليوم في المسار الصعب الذي وضعوا فيه، ليختاروا طريق النضال ليطلبوا من الرب الحماية والمباركة والحياة والسلام الحقيقي والأمان في بيت الله، الملجأ لكل شعوب الأرض، هربوا من محتل غاصب واحتموا داخل جدران كنيسة تحوي عظام مذبحة الأطفال الأبرياء التي قام بها هيرودس للحفاظ على ملكه.

أصوات ترانيم، إضاءة برتقالية اللون، روائح مبعثرة من الألم والأمل، في تفاصيلها تعب ووجع وخوف وقوة وانتصار وهزيمة، كله وسط روحانيات المكان، في رحلة صدام الألم وآلية التعايش معه لفترة من الزمن مع إمكانية خلق الأمل.

دراما من الطراز الأول؛ رصاص، ولهيب، ودم، وحصار، وعطش، وجوع، ومفاوضات، كلها تمثلت على خشبة مسرح الحرية في مخيم جنين في سلسلة خمسة عروض امتدت من الأول وحتى الخامس من تشرين الأول، في لحظات استطاعت حبس أنفاس الجمهور، لترجع بهم إلى الوراء خمسة عشر عاما إلى قصة حصار كنيسة المهد في العام 2002، هذا الحدث الذي وجه أنظار العالم كله نحوه.

مسرح الحرية في مخيم جنين أعاد رواية القصة لتذكير العالم أجمع بتاريخ كنيسة المهد، لكن مع قيمة مضافة؛ وهي قصة حصار 39 مقاتل ولمدة 39 يوما، مع أكثر من مئتي من الرجال والنساء والأطفال والرهبان.

هذا العمل من كتابة المخرج الفلسطيني نبيل الراعي، وإخراجه إلى جانب المخرجة البريطانية زوي لافيرتي، وأداء كل من: فيصل أبو الهيجاء، معتز محليس، وحسن طه، وربيع حنني، وعلاء أبو غربية، وغنطوس وائل.

في زوايا النص المسرحي نجد الكاتب متمعنا بالقصة بشكل عميق، فالقصة لا تروي قصة ستة مناضلين فقط، بل تذهب إلى أبعد من ذلك لتروي قصصهم وذكرياتهم، والعلاقات الإنسانية بينهم، ولتتحدث عن الجانب الأخلاقي والإنساني في الحروب، وعواقب الظلم الطويل من خلال الاحتلال وأساليبه، ولنرى كيف بنيت العلاقة بين كل منهم بمفهوم الأرض والوطن ليصل في النهاية على خيار حمل السلاح من أجل النضال والحرية، فشاهدنا أن الشخصيات الست كانت قد ربطتها بالمكان أشياء وتفاصيل صغيرة لكنها تعني لها الكثير لتدفعها نحو تبني خيار الموت أو الحياة بما تريد.

ستة ممثلين لعبوا أدوار مقاتلين تواجدوا داخل الكنيسة خلال الحصار منهم من أبعد إلى غزة منهم إلى دول أوروبية لينتهي به المطاف أن يعد المقلوبة الفلسطينية هناك، ومنهم من استشهد ليقدم أحلامه صدقات جارية عن روحه، فلم يقدم الممثلون صورة المقاتل الفلسطيني على أنه حجر رخام، بل هذا المقاتل يضحك ويبكي ويخاف وينتصر وينهزم في مفارقات هي في الطبيعة البشرية فهو إنسان بالدرجة الأولى، فقدم النص لحظات انفراج مرحلي مؤلم، بمعنى أن نكسر الحصار والألم بالتعايش معه ومحاولة الخلاص منه بالفعل الإنساني الاعتيادي كالضحك والغناء والنكت، لنترجم الحقيقة البشرية في طبيعتها لنحمل في محصلة الأمر معاناة وتجربة متكاملة تحوي تجارب فردية وجمعية في آن واحد.

وكانت عبقرية النص المسرحي من خلال إلمامه بزوايا جميلة أضافت للعمل الجانب الجمالي والفكاهي أحيانا، فلم يخفى على المشاهد استحضار الموروث الثقافي الفلسطيني للمسلمين والمسيحيين، من خلال ذكر المأكولات والألعاب الشعبية، وبعض العادات والتقاليد التي كانت جزءاً من حياتنا، ولكن طابع الحياة المعاصرة قد لغى كثيرا منها، لينتهي الأمر بكونها أصبحت جزءاً من التراث والذكريات التي سقطت من يومياتنا لتصبح جميلة لأنها فقط باتت ذكرى.

وكما قدمت المسرحية لمحات تاريخية لكنيسة المهد، بدعوة من دليل سياحي هو عيسى الفلسطيني، يقدم تاريخ الكنيسة منذ بناها الإمبراطور قسطنطين، وصولا إلى حصارها في 2002، وكما قدمت المسرحية أرشيفا تلفزيونيا يضع المشاهد في أجواء المعركة التي دارت، ثم الانتقال إلى مشاهد الممثلين على خشبة المسرح الذي استوحى ديكوره من أحد زوايا الكنيسة بأقواسها وقناديلها وأضوائها الخافتة، وروائحها البخورية وترانيمها، إلى جانب مقابلات مع المقاتلين المبعدين في المنفى.
في مشهد ختامي وضع المقاتلين وسط دائرة مغلقة من الصراعات والتساؤلات حول البقاء داخل الكنيسة واستمرار الحصار أو الإبعاد، لينتهي بهم المطاف إلى التوقيع على ورقة الإبعاد، ليتحولوا من مناضلين من أجل العودة وحق اللجوء إلى لاجئين مبعدين عن الوطن كل أحلامهم اختزنت في عبارة “بحلم ارجع”.

نبيل الراعي مخرج العمل على جانب زوي لافيرتي ، يرى أن هذا العمل هو جزء لا يتجزأ من العمل النضالي فيقول:” أن نضالنا من خلال العمل الفني والثقافي يكمن في حمل القصص والحكايات، واستكمالها وتوصيلها إلى الجيل الجديد، وإذا انتهت قصصنا الفردية والجمعية متنا وماتت قصتنا”، ويستكمل حديثه بأن القصة لم تنته بعد وما زالت مستمرة فالمناضلين لم يعودوا بعد، وما زالوا مبعدين عن وطنهم، فهم من البداية لم يملكوا الخيار والقرار ولذلك لن تسعهم السماء ولا الأرض ولو ذهبوا إلى الجنة.
ومن الجدير بالذكر أن مسرح الحرية كان قد أنتج الإنتاج الأول لمسرحية “الحصار” في العام 2015 وعرضت في الضفة الغربية وفي بريطانيا، وعرضت في الاحتفالية العاشرة لمسرح الحرية في العام 2016، وكما ستنطلق سلسلة عروض لهذا العمل وستخوض مغامرة مسرحية جديدة بـ١٠ عروض في مركز سكيربال للفنون الأدائية بجامعة نيويورك بالفترة ما بين ١٢ حتى ٢٢ تشرين الاول ٢٠١٧ في الولايات المتحدة الأمريكية.

 

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*