الرئيسية / Uncategorized / “المغتربان” على خشبة مسرح الحرية

“المغتربان” على خشبة مسرح الحرية

3

عرض مسرحي يمثل جزء من الأدب المسرحي الساخر، في تصوير لحياة البؤس والضياع وعرضها بروح ساخرة، على خشبة المسرح تدور أحداث قصة في ليلة رأس السنة، يجري حوار متوتر ومشحون بالعداء والتعاطف في آن واحد بين شخصيتين مهاجرتين هما (س) و(ص) مجهولان البلد، شخصيتان مختلفتان من حيث الثقافة والعمل، ولكنهما يلتقيان في الضياع، هذان الشخصان يعيشان في غرفة واحدة وينامان على سريرين متقابلين وكل منهما يشعر بثقل صاحبه ولكنهما لا يفترقان، وكأن الحبل السري هو الرابط بينهما.

 قصة تضع المشاهد أمام تساؤلات جمة في حيرة وغرابة، في العمل المسرحي “المغتربان” للكاتب البولندي “سلافومير مروجيك”، ومن إنتاج مسرح نعم في الخليل، وتصميم وإخراج إيهاب زاهدة، وبطولة رائد الشيوخي، ومحمد الطيطي، والذي عرض على خشبة مسرح الحرية أمس الخميس 22 شباط 2018.

هناك وفي غرفة تحت الأرض تسمع فيها كل الأصوات الدقيقة المزعجة كصوت الماء في الأنابيب بصوت دقيق يقرع الأذهان، في ليلة رأس السنة أهل البلد يحتفلون، في حين يحتفل شخصان بشجار غير منقطع ولساعات دون أن يدركا حجم البؤس الذي يدور في حوراهما المرير، هذه الحوارات التي مكنت المشاهد من الشعور بأن الثقة تكاد تكون غائبة بينهما والشك يهمن على علاقتهم، فكل منهما يضع حاجاته في حقيبة تحت سريره ويقفلها خشية أن يسطو عليها الآخر.

الفنان محمد الطيطي مثل شخصية العامل الكادح والجاهل في السياسة جاء إلى المهجر بأمل وحلم جمع المال ليعود إلى زوجته وأطفاله ليبني داراً ويعيش عيشة مرفهة وسعيدة وبعيداً عن العمل المرهق الذي يجمع به نقوده في المهجر، فهذا الهدف الذي جاء من أجله نبيل من حيث المبدأ بسبب عجزه عن الحصول على عمل وأجر يعيش به مع أفراد عائلته، فرض عليه سبب الهجرة ممارسة التقتير الشديد الذي تحول عملياً إلى بخل مقيت وجشع مدمر لصحته دون أن يعي ذلك حتى بدأ يأكل معلبات منتجة خصيصاً للحيوانات الأليفة كالكلاب. يدخن دون أن يشتري علبة سجاير، ويحتسي الخمر على حساب س دون أن يشتريه، ويدخر أجرته اليومية من عمل مجهد في المدينة في دمية كلب خشية فقدانها.

وأما الفنان رائد الشيوخي قدم شخصية المثقف الغارق في الكسل والغير مهتم بالنقود، والذي نفي عن الوطن لأسباب سياسية، بأنه شخصية المثقف الذي فقَدَ حلم وأمل العودة إلى الوطن، يقضي أوقاته ممدداً على سريره في غرفة قذرة وبائسة فيما تحتويه يطالع المجلات والكتب، يدور حول مراقباته لسلوك نزيل غرفته، لا يبذل أي جهد لإنجازه. ومع ذلك يعيب على صاحبه حياته المنهكة بالعمل دون أن يتمتع بالأجر الذي يأتيه من عمله، وينسى واقعه كمثقف لا عمل له ولا نشاط فعلي غير القراءة والنوم والتمتع بالكسل.

أمام غرابة المشهد يقف المشاهد عند سؤال يدور حوله ما الذي يشد هاتان الشخصيتان المتضادتين بعضهما إلى  الآخر بحيث يبقيان معاً بالرغم من المشاكسة المستمرة وما تنطوي عليه من كراهية أحدهما للآخر، بالرغم من الاختلاف  بينهما في المستوى الثقافي والتعليمي والكثير من الطباع، هل هو الشعور بالوحدة والغربة؟، أو  هل هو الشعور بأن أحدهما يُعتبر بالنسبة للآخر وكأنه جزء من الوطن المفقود وطباع الناس في الوطن وأخلاقياته ومشكلاته؟، هل هو الحنين الخفي للوطن الذي يتجلى بهذا التلازم غير المنطقي وغير المفهوم بين القادمين من نفس البلد؟ فأحدهما يدفع الإيجار ويتهرب من إعطاء حصته منه، رغم امتلاكه للنقود وتخزينها، ويطعم ويقدم له السجائر والخمر، والآخر يحاول حتى سرقة بعض السجاير من علبة الآخر، دون أن يؤدي له أي خدمة.

محاولة كانت ناجحة من هذا العمل المسرحي بكل تفاصيله إلى تسخيف حياة الغربة والعيش في المنفى وضرورة العودة إلى الوطن، وإبراز إن المنفى يقود إلى خراب النفس وعذاب الروح ويدعو بهذا الشكل أو ذاك إلى العودة للوطن، فالمسرحية شوهت بقسوة بالغة حياة هذين الشخصين غير المعروفين لكي يبشع حالة الفراغ الداخلي التي عاشا فيها رغم اختلافهما من حيث الثقافة والوعي الاجتماعي. وفي حين كان هناك بعد آخر يهدف إلى استنهاض همم الآخرين حين يروا هذه الحياة التي يحياها الإنسان بعيدا عن وطنه، من خلال الحوار العبثي الذي ينتقل بهما بين الكسر الكثير إلى الجبر القليل. إنه الانتقام من الذات التي أصبحت ثقيلة على كل منهما من خلال الهجوم على الآخر، والنهاية التي قام العامل الكادح من تمزيق نقوده التي جمعها طيلة ثلاث سنوات عجاف والتي كانت في دمية الكلب، ويبقى التوتر سيد الموقف إلى أن يتخذ  خطوة أبعد من تمزيق نقوده، ثم  يرتقي المنضدة ليشنق نفسه برباط عنقه وهو مخمور وبالتالي اتخذ القرار الخاطئ بشنق نفسه، ولكن تراجع  بعد وتوسلات المثقف له ليتخلى عن ذلك، وخاصة حين عرف بأن نقوده يمكن أن يستعيدها بعد أن يعاد لصقها، إنها المأساة والمهزلة لحياة المنفى.

1 2

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*